عاد الزمان و فاتك التكفير
و الفوت ذنب أصله التقصير
لا تعتذر أن كنت في زمن خلا
منهم فما الناسي لهم معذور
غابت شخوص خلف أستار الردى
لكن رزاياهم لديك حضور
أوددت لو سيف تغمد في الحشا
و دعاك منه إلى الحمام مصير؟
و غدوت فيهم جثة مفرية
و دماؤها تحت العجاج تفور؟
هذا حسام الحزن مزق مهجتي
ثاوٍ بنبضات الضلوع قرير
و جحافل الآلام تظلم بالمدى
من ناظري فيحجب المنظور
و إذا طمعت بأن أسر تنكدت
نفسي فما يسري إلي سرور
ما لذ لي الماء القراح فطعمه
مر و لون صفاءه مكدور
و الزهر لم يسعد فؤادي نشره
حتى كأن عبيره كافور
لا عاجل الدنيا يريني بهجة
كلا ولا ما أرتجيه حبور
و منازل الأخرى و وعد نعيمها
و جنانها و قصورها و الحور
و تمثلت عندي الحياة بلحظة
ما قبلها أو بعدها مبتور
فوهبت أفكاري و كل مشاعري
يوما به قد قدر المقدور
صورته شعرا و لكن هوله
يعيا به الإلهام و التصوير
أترى الملائك في السما إذ سائلت
علمت بما يجري به و يدور
أدرت بأن الله يخلق خلقة
القتل ديدنها عليه تسير
أتوهمت إسما تخلد مجده
في العرش يزهر خطه و ينير
يغدو القتيل على الصعيد مجدلا
و الخد في حر التراب عفير
هل ساءلت قلم القضاء بما جرى
لهفي عليه يخط و هو كسير
إذ جاءه وحي الإله فهاله
أكتب بما يوحي إليك قدير
إني خلقت محمدا خير الورى
وهو الضياء إلى الهدى و النور
وهو البشير لمن أطاع و رحمتي
و لمن عصاني مرشد و نذير
و علي صنو محمد و وصيه
و أخوه، صهر، وارث و وزير
أصفيه منه فاطما خير النسا
فيكون منها شبر و شبير
و بهم أتم هداي ، وحي شريعتي
تبليغها و الحفظ و التفسير
و إذ استتم النور في فلك العلا
و الناس فيه موقن و كفور
و تسلطت شر البرايا و انبرت
و علت علوا بعده تتبير
لا بد أن يطغى الجناة على اله
داة و يحصل المحذور
فاصبر رعاك الله يا قلم القضا
فلذاك لا يقوى المقام الطور
سيقال “يهجر” و هو ما نطق الهوى
و لها “و إن” لما أتى التحذير
و يقاد حيدر في حمائل سيفه
و يخر في المحراب و هو طبير
ويغال بالسم النقيع المجتبى
وهو الذي في النشأتين أمير
و حسين يقصى عن مدينة جده
طابت بذلك أنفس و صدور
طابت بأن طريده لحفيده
يعلو عليه فيشتفي و يجور
و اذا به في المستجار مطارد
لا ناصر يحمي و ليس مجير
و إذا به يطوي الفيافي قاصدا
تنزيه بيت هتكه محظور
أكتب فقد حتم القضاء و أبرمت
حلقاته بل أحكم التقدير
حط الرحال ببقعة معراجه
منها و من قبل العروج مسير
و توافدت زمر الضلال لذبحه
من كل فج كالجراد تغير
سدوا الفجاج بمنظر من هوله
كادت قلوب الطاهرات تطير
حشرت وحوش الأرض فيه و سجرت
أحقادهم نارا لها تسعير
و اكتب بأن رقيه نحو السما
للحشر ما ضاهاه فيه نظير
أسجى البنين إلى فراش رقادهم
فكذاك يصنع والد مبرور
لكنه نوم المنية فالكسا
دم و أرياش الوساد صخور
ومضى كأن ما كانت الدنيا ولم
تفتأ بآخرة الخلود الدور
روع كروعك إذ سمعت برزءه
في صدر زينب بالمصاب يثور
ربطت عليه بجأشها و ثباتها
فالقلب عند النائبات صبور
وكأنما دعت الإله بصبرها
كل الذي نلقاه فيك يسير
فإذا أتى الموعود أدرك ثأرنا
فمتى يقوم القائم المنصور
