هل في الأحبةِ إلاّ من تودّعُهُ
أفنيتَ عمرًا بمُرِّ الحزن تُترِعُهُ
لم يَبقَ عندك غيرَ الصّبرِ يُوهنهُ
أنَّ الذي قد مضى لا شيء يُرجِعُهُ
يَحلو لغيرك طِيبُ العيشِ بعدهُمُ
ولا تَرى فيه غيرَ الحزنِ تَجرعُهُ
تَبيتُ ليلَكَ لا تَسري كواكبُهُ
فينقضي أو تُماريهِ فتَهجعُهُ
يَضنى فؤادُك من حزنٍ فتُردِفُهُ
بمثلهِ كي تُداويهِ وتوجعُهُ
ومَنزلٍ كان فيه الخيرُ يجمعُنا
والوِدُّ يُوسعُنا فيه ونُوسعُهُ
في كلِّ ركنٍ به نجوىٰ ومبتهِلٌ
يدعو وما ثَمَّ غيرَ الذِّكرِ تسمعُهُ
يُدبِّرُ الله منهُ الأمرَ يُنزِلُهُ
فيهِ ومنهُ إذا ما شاءَ يرفعُهُ
إذا أتى الوحيُ في أمرٍ ألَحَّ أتى
مستأذنًا من وراءِ البابِ يَقرعُهُ
كنا به نبذُلُ النُّعمى لسائِلِها
ينامُ أطفالُنا جوعى ونُشبعُهُ
قد أقفرَت جنَباتٌ منه أوحشَها
بينٌ وكم أَنِسَت بالأهلِ أربُعُهُ
كنا ولمّا نزلْ كهفًا يُلاذُ بهِ
وفجرَ هَديٍ بشمسِ الحقِّ مطلعُهُ
حتى أضَبّت على البغضاءِ أفئدةٌ
وزُحزِحَ الأمرُ عمَّن كان يُزمِعُهُ
فساطتِ الناسَ في الظلماءِ داهيةٌ
دهياءُ تَدهَمُ من تَغشى وتُوقعُهُ
حتى تولاهُمُ كلُّ ابنِ فاحشةٍ
وفاتَهُم من نوالِ الخيرِ أنفعُهُ
وأُورِثوا الخِزيَ في الدنيا وحُقَّ لهم
والمرءُ يَحصدُ ما كفّاهُ تزرعُهُ
وهل يُفيدُ مع الخُسرانِ يوم غدٍ
أن يَقرعَ السِّنَّ من أرداهُ مطمعُهُ
ونحنُ من خصّنا بالهَديِ خالقُنا
بالمصطفى فهو أصلٌ نحنُ أفرعُهُ
ونحنُ أَولىٰ بني الدنيا لنملِكَها
لو كان فيها الذي في الملك نَطمعُهُ
والدهرُ ما برِحَت عنا طوارِقُهُ
كما عهِدناهُ حتى هان أفظعُهُ
ومن غدا قانعًا لا يبتغي بَدَلًا
أمسى وأضيقُ ما يلقاهُ أوسعُهُ
حتى رمتنا بيومِ الطفِّ نائبةٌ
صابت بقُرٍّ وعاد الشرُّ أجمعُهُ
وليلةٍ سار فيها الركبُ في وجَلٍ
فالخطبُ سائسُهُ والموتُ تُبَّعُهُ
يحدو به أروَعٌ يَرعى حفيظتَهُ
وحولَهُ من بني عدنانَ أسبُعُهُ
ما سارَ يطلبُ مُلكًا أو يريقُ دمًا
لكن دعاه لحفظِ الدينِ مصرعُهُ
ركبٌ لآلِ رسولِ الله سِيرَ بهِ
من بطنِ مكةَ نحوَ القَفرِ يَقطعُهُ
تراهُ والهاشميّاتُ احتجبنَ بهِ
حِصنًا يسيرُ وعينُ اللهِ تَمنعُهُ
يمشي الهُوَينى بها ليلًا فما وَخَدَت
بها المطايا ولا زجرٌ يُزعزِعُهُ
مِن كلِّ خِدرٍ على سمحاءَ يُمسكُها
ذو نَجدةٍ فيُداريها وتتبعُهُ
وعُصبةٌ فيه رِبِّيُّونَ صاحَ بهم
داعي الهدى فهمُ إذ صاحَ طُوّعُهُ
قيلَ النّفيرُ فهَبُّوا لابنِ فاطمةٍ
أكرِم بهم أنّهم في الحربِ أذرعُهُ
فما خطى منهمُ في الحربِ ذو لِبَدٍ
إلا توثّبَ غِيلُ الموتِ يتبعُهُ
ومُفردٍ ما رأتهُ الخيلُ مُنهزمًا
أنّى وضرعُ الإبا والبأسِ مُرضِعُهُ
يَلقى الكتائبَ طلقَ الوجهِ أجهمَهُ
كذاك من كان في الهيجا ترعرعُهُ
مضى بها والمنايا طَوعُ راحتِهِ
فأُهلِكوا كلُّهم لولا تورُّعُهُ
حيرانَ تطلِبُهُ الهيجا فيقصدُها
حينًا وحينًا بكاءُ الطفلِ يُرجعُه
إنْ أنسى لا أنسى لما عمّتي علِقَت
بثوبهِ وهيَ لا تقوى تُودِّعُهُ
تضمُّهُ قبل أن يمضي وأدمعُها
كالمُزنِ تنصبُّ من حزنٍ وأدمعُهُ
وتخفضُ الصوتَ واذُلّاهُ نادبةً
يا آلَ فهرٍ لو انّ المَيْتَ تُفزِعُهُ
أنفُ الكرامةِ من عَمرِو العُلا قصدت
أبناءُ حربٍ بسيفِ الذُّلِّ تَجدَعُهُ
من مُخبرُ المصطفى أنّ ابنَ فرختهِ
أطفالُه ذُبِّحت ظلمًا ورُضّعُهُ
وصحبُهُ صُرَّعٌ في الحربِ مشهدُهم
مُذَبّحينَ على الرمضاءِ يُفجعُهُ
وجسمُهُ وهو حبلُ اللهِ ما فَتِئت
عنهُ البواترُ والهفي تُقطِّعُهُ
فإن أُبيحَ لهم أن يَقتُلوهُ فلِمْ
من بعدها بُتِرَتْ بالجورِ إصبعُهُ
وجُرِّدت منهُ بعد القتلِ كِسوتُهُ
وحُطِّمَت تحت جُرْدِ الخيلِ أضلعُهُ
ورأسُهُ لِمْ أتى ذاك الزّنيمُ بهِ
أمامَ نسوتهِ بالرُّمحِ يرفعُهُ
خطبٌ أصابَ عُرى الإسلامِ فانفصَمَت
وشَقَّ جوفَ رسولِ الله مِبضعُهُ
ولم يزل مُحدَثًا كالنّصلِ ينكأُ في
قلبِ البتولِ ليومِ الحشرِ يُوجِعُهُ
